أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
196
نثر الدر في المحاضرات
استأذن جحظة على صديق له مبخّل ؛ فقال غلمانه : هو محموم ؛ فقال لهم : كلوا بين يديه حتى يعرق . وقال جحظة : أكلت مع بخيل مرة ؛ فقال لي : يا هذا ، ما رأيت أذلّ من الرغيف في يدك . أصاب أعرابيّ درهما في كناسة الكوفة ؛ فقال : أبشر أيها الدرهم ، وقرّ قرارك فطالما خيض فيك الغمار ، وقطعت فيك الأسفار ، وتعرّض فيك للنار . أهل مرو موصوفون بالبخل ، ومن عادتهم إذا ترافقوا في سفر أن يشتري كلّ واحد منهم قطعة لحم ، ويشدّها في خيط ، ويجمعون اللحم كلّه في قدر ، ويصبّون عليه الماء ويطبخونه ، ويمسك كل واحد منهم طرف الخيط الذي قد شده في لحمه ، فإذا نضجت القدر جرّ كل واحد خيطه ، وتفرّد بأكل ما فيه ، وتساعدوا على المرقة . ويحكى أنّ واحدا منهم لم يخرج ثمن البرر للسراج ؛ فشدّوا عينه لئلا يرى السراج . قال : ومن طرائف أمورهم أنهم يستعملون الخادم في ستة أعمال في وقت واحد : تحمل الصبي ، وتشدّ يد البربند في صدرها ، فتدور وتطحن وفي ظهرها سقاء تمخضه باختلافها وحركتها ، وتدوس طعاما قد ألقي تحت رجليها ، وتلقى الحنطة في الرّحا ، وتطرد العصافير عن طعام قد وكّلت به . كان بعض البخلاء ، إذا صار الدرهم في يده خاطبه وناجاه ، وفدّاه واستبطاه ، وقال : بأبي أنت وأمي . كم من أرض قطعت ، وكيس خرقت ، وكم من خامل رفعت ، وكم من رفيع أخملت ! لك عندي ألا تعرى ولا تضحي ، ثم يلقيه في كيسه ويقول : اسكن على اسم اللّه في مكان لا تزول عنه ، ولا تزعج منه . ذكر ثمامة محمد بن الجهم ، فقال : لم يطمع أحدا في ماله إلا ليشغله بالطمع فيه عن غيره ، ولا شفع لصديق ، ولا تكلّم في حاجة إلا ليلقّن المسؤول حجة منع ، وليفتح على السائل باب حرمان .